السيد كمال الحيدري

350

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

عزّ وجلّ أين هو ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام : هو هاهنا وهاهنا ، وفوق وتحت ، ومحيط بنا ومعنا ، وهو قوله : مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا « 1 » فالكرسى محيط بالسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى ، وإن تجهر بالقول فإنّه يعلم السرّ وأخفى ، وذلك قوله تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ » . إيضاح الإمام للجاثليق بأنّ الله هو هاهنا وهاهنا ومحيط بنا يشير إلى أنّه سبحانه لمّا كان مقوّماً لوجود كلّ شئ ، حافظاً وحاملًا له ، فلا يمكن لمحلّ أن يكون خالياً عنه ، ولا هو مختصّاً بمكان دون آخر . وهذا يؤول إلى علمه الفعلي بالأشياء ، فكلّ شئ حاضر عنده غير محجوب عنه ، حيث دلّل على ذلك بالكرسى وما ينمّ عنه من إحاطة ، ثمّ أعقبه بقوله : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى « 2 » مشيراً إلى العلم ، لتكون النتيجة أنّ العرش والكرسي هما مقام الإحاطة والتدبير والحفظ ، كما أنّهما مقام العلم والحضور بعينه . أردف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كلامه إلى الجاثليق بقوله : « فالذين يحملون العرش هم العلماء الذين حمّلهم الله علمه ، وليس يخرج عن هذه الأربعة شئ خلَق اللهُ في ملكوته الذي أراه الله أصفياءه وأراه خليله عليه السلام فقال : وَكَذلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ « 3 » وكيف يحمل حَمَلة العرش الله وبحياته حييتْ قلوبهم وبنوره اهتدوا إلى معرفته ؟ ! » « 4 » .

--> ( 1 ) المجادلة : 7 . ( 2 ) طه : 7 . ( 3 ) الأنعام : 75 . ( 4 ) ينظر الحديث كاملًا في : الأصول من الكافي ، ج 1 ، كتاب التوحيد ، باب العرش والكرسي ، ح 1 ، ص 130 129 . أيضاً : التوحيد ، باب 48 ، ح 3 ، ص 316 وما ذكره الصدوق هنا يختلف نصّاً عن حديث الكافي ، لكن بينهما اشتراكاً في بعض المضامين . يلاحظ كذلك : الميزان في تفسير القرآن ، ج 8 ، ص 165 162 حيث أورد الحديث كاملًا مع تعقيبات عليه ذكرنا بعضها في المتن .